فخر الدين الرازي

36

تفسير الرازي

من أجل كل أمر قدر في تلك السنة من خير أو شر ، وفيه إشارة إلى أن نزولهم إنما كان عبادة ، فكأنهم قالوا : ما نزلنا إلى الأرض لهوى أنفسنا ، لكن لأجل كل أمر فيه مصلحة المكلفين ، وعم لفظ الأمر ليعم خير الدنيا والآخرة بياناً منه أنهم ينزلون بما هو صلاح المكلف في دينه ودنياه كأن السائل يقول : من أين جئت ؟ فيقول : مالك وهذا الفضول ، ولكن قل : لأي أمر جئت لأنه حظك وثالثها : قرأ بعضهم : * ( من كل امرئ ) * أي من أجل كل إنسان ، وروى أنهم لا يلقون مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلموا عليه ، قيل : أليس أنه قد روى أنه تقسم الآجال والأرزاق ليلة النصف من شعبان ، والآن تقولون : إن ذلك يكون ليلة القدر ؟ قلنا : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله يقدر المقادير في ليلة البراءة ، فإذا كان ليلة القدر يسلمها إلى أربابها " وقيل : يقدر ليلة البراءة الآجال والأرزاق ، وليلة القدر يقدر الأمور التي فيها الخير والبركة والسلامة ، وقيل : يقدر في ليلة القدر ما يتعلق به إعزاز الدين ، وما فيه النفع العظيم للمسلمين ، وأما ليلة البراءة فيكتب فيها أسماء من يموت ويسلم إلى ملك الموت . * ( سَلَامٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) * . الوجه الثالث : من فضائل هذه الليلة . قوله تعالى : * ( سلام هي حتى مطلع الفجر ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في قوله سلام وجوه أحدها : أن ليلة القدر ، إلى طلوع الفجر سلام أي تسلم الملائكة على المطيعين ، وذلك لأن الملائكة ينزلون فوجاً فوجاً من ابتداء الليل إلى طلوع الفجر فترادف النزول لكثرة السلام وثانيها : وصفت الليلة بأنها سلام ، ثم يجب أن لا يستحقر هذا السلام لأن سبعة من الملائكة سلموا على الخليل في قصة العجل الحنيذ ، فازداد فرحه بذلك على فرحه بملك الدنيا ، بل الخليل لما سلم الملائكة عليه صار نار نمروذ عليه * ( برداً وسلاماً ) * أفلا تصير ناره تعالى ببركة تسليم الملائكة علينا برداً وسلاماً لكن ضيافة الخليل لهم كانت عجلاً مشوياً وهم يريدون منا قلباً مشوياً ، بل فيه دقيقة ، وهي إظهار فضل هذه الأمة ، فإن هناك الملائكة ، نزلوا على الخليل ، وههنا نزلوا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم وثالثها : أنه سلام من الشرور والآفات ، أي سلامة وهذا كما يقال : إنما فلان حج وغزو أي هو أبداً مشغول بهما ، ومثله : " فإنما هي إقبال وإدبار " . وقالوا تنزل الملائكة والروح في ليلة القدر بالخيرات والسعادات ولا ينزل فيها من تقدير المضار شيء فما ينزل في هذه الليلة فهو سلام ، أي سلامة ونفع وخير ورابعها : قال أبو مسلم : سلام أي الليلة سالمة عن الرياح والأذى والصواعق إلى ما شابه ذلك وخامسها : سلام لا يستطيع الشيطان فيها سوءاً وسادسها : أن الوقف عند قوله : * ( من كل أمر سلام ) * فيتصل السلام بما قبله ومعناه أن تقدير الخير والبركة والسلامة يدوم إلى طلوع الفجر ، وهذا الوجه ضعيف وسابعها :